القائمة الرئيسية

الصفحات

التغير والتطور التكنولوجي في الاعمال والمنظمات

 التغير والتطور التكنولوجي في الاعمال والمنظمات

مقدمة:

تعيش المنظمات الحديثة في ظل محيط يشهد تطورات وتغييرات عميقة وواسعة النطاق في مختلف المجالات، لاسيما المعرفية والتقنية والإدارية والمعلوماتية. وتبرز أهمية التغيير التنظيمي، كأحد أهم أنواع التغيير في منظمات الأعمال، بسبب اقترانه بمختلف جوانب المنظمة، سواء من حيث رؤيتها ورسالتها، أو من حيث عملياتها ومهامها، أو من حيث هياكلها التنظيمية، أو من حيث سلوك الأفراد العاملين واتجاهاتهم والإجراءات المنظمة وتقنياتها المستخدمة، والهدف من وراء ذلك هو البحث عن تلاؤم دائم ما بين نظم المنظمة وتغييرات المحيط.

فالتغيير عملية ضرورية ولازمة لكافة المنظمات، فبدون عملية التغيير والتطوير تتوقف حركة تلك المنظمات، في حين يتحرك المحيط العام بسرعة في اتجاه معاكس. وليس المقصود بالتغيير التنظيمي هنا تلك الطفرات الفجائية التي تحدث لظروف معينة، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، وإنما هو ذلك العمل المخطط له سلفا على أسس علمية بما يتماشى والإمكانات المتاحة للمنظمة في حدود أهدافها المسطرة، وبالتالي فالتغيير لا يعتبر غاية في حد ذاته، وإنما يعتبر كوسيلة للوصول لأفضل النتائج.

مما سبق يمكن طرح التساؤلات التالية: ما هي دواعي وأهداف التغيير التنظيمي في منظمات الأعمال الحديثة؟ ما هي مراحله ومداخله؟ وما هي التوجهات الجديدة في مجال التغيير التنظيمي المتناسبة وطبيعة التحولات في محيط الأعمال المعاصر؟

تهدف هذه المداخلة إلى تحديد مفهوم التغيير التنظيمي وإبراز أهميته في المؤسسة في ظل التحولات العميقة والسريعة التي يشهدها محيط الأعمال، وكذا تحديد المراحل والمداخل المختلفة التي يقتضيها التغيير الهادف إلى تأقلم المؤسسة وهذه التحولات. ومن أجل ذلك سوف تتم معالجتنا من خلال المحاور التالية:

1- مفهوم التغيير التنظيمي

2- دواعي وأهداف التغيير التنظيمي

3- مصادر وقوى التغيير التنظيمي

4- مداخل التغيير التنظيمي

5- مراحل التغيير التنظيمي

 

1- مفهوم التغيير التنظيمي:

لقد تعددت وتنوعت مفاهيم التغيير التنظيمي، فمن الباحثين من ركز على التكنولوجيا المستخدمة في تعريفه للتغيير، ومنهم من ركز علي المنظمة والبيئة التنظيمية والسلوك التنظيمي، ومنهم من ركز علي الاستراتيجيات والخطط وإجراءات وقواعد العمل بهدف التكيف وتحسين الأداء.

من الناحية اللغوية التغيير مشتق من الفعل غَيّرَ، وغَيّرَهُ: حَوّلَهُ وبَدّلَهُ، كَأَنَهُ جَعَلَهُ غَيَرَ ما كَانَ. وفي التنزيل العزيز:﴿ذَلِكَ بِأَنَ الله لَمْ يَكُ مُغَيِرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَى يُغَيِرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾) الأنفال، الآية 53 (، ومعنى يغيروا ما بأنفسهم هو حتى يُبَدِلُوا ما أمرهم الله. ويقال تغايرت الأشياء يعني: اختلفت، وغَـَيَر عليه الأمر: حَوَلَهُ. أما التنظيم فهو مصدر فعل نَظَمَ، والنظم التأليف، وضم شيء إلى آخر، ونظم اللؤلؤ ينظمه نظماً ونظاماً أي جمعه فانتظم. والتغيير التنظيمي من هذا المنطلق يعني إعادة تنظيم مكونات الشيء لتحسين أدائه.

ويعتبر التغيير ظاهرة طبيعية تقوم على عمليات إدارية متعمدة، ينتج عنها إدخال تطوير بدرجة ما على عنصر أو أكثر، ويمكن رؤيته كسلسلة من المراحل التي من خلالها يتم الانتقال من الوضع الحالي إلى الوضع الجديد. ومن منظور الاقتراب التنظيمي للمنظمة، أي باعتبارها نظاما يتكون من مجموعة أنظمة فرعية تتفاعل فيما بينها، وكونها تتواجد في نظام خارجي يتكون بدوره من أنظمة فرعية أخرى اشمل (اقتصادية، سياسية، اجتماعية...)، فان أي تغير يحصل في هذه الأنظمة ينعكس في تغير المنظمة بالضرورة.

وتسعى المنظمات دوما إلى الحفاظ على توازنها والتعايش مع بيئتها قدر المستطاع، ولكن قد يعترض مسيرتها بعض المعوقات التي تفرض عليها العمل على إجراء تغييرات مختلفة، سواء في أنماطها أو هيكلتها أو حتى أنشطتها، لهذا يتعين على المنظمات، من أجل ضمان بقائها، أن تسعى دوما لفهم المحيط والتغيرات الحاصلة فيه ومحاولة وضع استراتيجيات للتأقلم معه. والفكرة المسيطرة في نظرية الإدارة الحديثة تتمثل في فهم وإدراك وخلق التغيير والتكيف معه، كما أن جوهر مهمة الإدارة اليوم أصبح يتمثل في استخدام المنطق والتنبؤ العلمي بدلا من الفوضى؛ حيث ينظر إلى التغيير الآن على أنه المفتاح الأساسي لنجاح المنظمات وتميزها تنافسيا.

وللتعرف على المعنى الاصطلاحي للتغيير التنظيمي نعرض مجموعة من التعريفات كما يلي:

التعريف الأول: التغيير التنظيمي هو "التحول من نقطة التوازن الحالية، إلى نقطة التوازن المستهدفة، وتعني الانتقال من حالة إلى أخرى في المكان والزمان".

التعريف الثاني: التغيير التنظيمي هو "إحداث تعديلات في أهداف وسياسات الإدارة أو في أي عنصر آخر من عناصر العمل التنظيمي بهدف: ملائمة أوضاع التنظيم وأساليب عمل الإدارة وأنشطتها مع تغييرات وأوضاع جديدة في المناخ المحيط به، أو استحداث أوضـاع تنظيمية وأساليب إدارية وأوجه نشاط جديدة تحقق للتنظيم السبق على التنظيمات الأخرى".

التعريف الثالث: التغيير التنظيمي هو "عملية مدروسة ومخططة لفترة زمنية طويلة عادة، وينصب علي الخطط والسياسات أو الهيكل التنظيمي، أو السلوك التنظيمي، أو الثقافة التنظيمية وتكنولوجيا الأداء، أو إجراءات وظروف العمل وغيرها، وذلك بغرض تحقيق المواءمة والتكـيف مع التغيرات في البيئة الداخلية والخارجية للبقاء والاستمـرار والتطور والتميز".

التعريف الرابع: التغيير التنظيمي هو "استجابة ونتيجة طبيعية للتغيير الذي يحدث علي التنظيمات، والقدرة علي التكيف والاستجابة، وهو حالة لإيجاد التكيف والتوازن البيئي للتغييرات التي تحث في المناخ المـحيط".

التعريف الخامس: التغيير التنظيمي هو " عملية تغيير ملموس في النمط السلوكي للعاملين وإحداث تغيير جذري في السلوك التنظيمي ليتوافق مع متطلبات مناخ وبيئة التنظيم الداخـلية والخارجية، وأن المحصلة النهائية لتـغيير سلوك الـتنظيم هي تطـويره وتنميته"

ومن خلال التعريفات السابقة يمكن استخلاص السمات والخصائص المميزة للتغيير التنظيمي والتي تتمثل فيما يلي:

أولا – يتضمن التغيير التنظيمي أي انحراف عن الماضي، وقد يكون هذا التغيير تلقائي يحدث بطبيعته دون تخطيط أو توجيه، أو قد يكون تغييرا مخططا يمكن ضبطه وتوجيهه نحو أهداف مقصودة ومحددة مسبقا، ويتضمن التغيير جانبا أساسيا بالنسبة للإدارة، يتضمن زيادة قدرة الفرد والتنظيم علي التكيف مع البيئة الجديدة، والاستجابة لمتطلباتها بشكل مناسب وفعٌال.

ثانيا- تستخدم عملية التغيير التنظيمي مفهوم نظرية النظم كأساس لمحاولات إحداث التغيير. وتعتبر المنظمة شبكة من النظم الفرعية المتداخلة، وبالتالي فإن الفرد أو الجماعة أو أي وحدة تنظيمية أخرى ينظر إليها علي أنها وحدة مستقلة عن الأحداث الأخرى تؤثر وتتأثر بما حولها، والمنظمة تعتبر نظاما فرعيا في نظام اكبر هو البيئة الخارجية أو المناخ الخارجي، بمعني أن جهود التغيير دائمة ومستمرة لمجابهة التغييرات المتكاملة في البيئة الخارجية، وأن أي تأثير علي أي نظام أو فرع داخلها يؤدي بالتالي إلي مزيد من التغييرات في فروعها أو نظمها الأخرى، وبالتالي داخل البيئة الداخلية للمنظمة ككل.

ثالثا- يستهدف التغيير التنظيمي زيادة فعالية المنظمة، وتحديد المواءمة المرغوبة مع بيئتها، مما يجعل المنظمة قادرة على التعامل الفعال مع الفرص والقيود التي تواجهها.

رابعا- أن الإدارة الفعّالة للتغيير تستلزم وجود جهاز لرصد كافة التغييرات التي تحدث في البيئة الخارجية للمنظمة، وتحديد البدائل المناسبة للتعامل مع هذه التغييرات.

خامسا- يتم تأسيس المدخلات في برنامج التغيير التنظيمي على ضوء المعرفة بالعلوم السلوكية، مثل دافعية الأفراد، الاتصالات، العلاقات بين الأفراد والجماعات، وغيرها من النواحي السلوكية التي يتوقف عليها التغيير التنظيمي بدرجة كبيرة.

سادسا- لا تقتصر مسؤولية التغيير على الإدارة العليا فقط، وإنما تمتد لتشمل كافة المستويات الإدارية والوحدات التنظيمية بالمنظمة ويتوقف نجاح عملية التغيير التنظيمي على كفاءة توزيع المهام والمسؤوليات علي الإدارة العليا من جانب وجميع العاملين بالمنظمة من جانب آخر.

مما سبق يمكن تعريف التغيير التنظيمي إجرائيا بأنه جهود مخططة ومدروسة للتدخل في أسلوب عمل المنظمات بهدف إحداث تغييرات نوعية في المجالات السلوكية والتنظيمية، هدفها تحسين الأداء في بيئة العمل وتنمية قدرات العاملين وتحسين الهياكل التنظيمية من خلال استحداث إدارات مؤهلة وقادرة على التعامل مع المستجدات، ويتم ذلك بالاستعانة بالمعرفة بالعلوم السلوكية، مثل دافعية الأفراد، الاتصالات، العلاقات بين الأفراد والجماعات، وغيرها من النواحي السلوكية التي يتوقف عليها التغيير التنظيمي بدرجة كبيرة.

2- دواعي وأهداف التغيير التنظيمي:

في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والذي وصف بأوصاف شتى: اقتصاد المعرفة، الاقتصاد الرقمي، اقتصاد المعلومات ...، والتي انعكست بوضوح على قطاع الأعمال، لم يعد هناك مكان للتسيير التقليدي الذي يقوم على قرارات فردية يتخذها صاحب المنظمة (أو المدير)، حيث المعلومات كانت محدودة والأدوات والآليات متواضعة نسبيا والهياكل أقل بساطة، فالأسواق اليوم أصبحت مُعَولمة، ودورات حياة المنتجات تقلصت، وظاهرة المنظمات العابرة للقارات تنامت (المنظمة الشبكة)، واتخاذ القرارات أصبح يعتمد أكثر فأكثر على الأنظمة الخبيرة ... إلى غير ذلك من التحولات، وهذا يجعل من التغيير لا مناص منه.

أولا- الحاجة إلي التغيير التنظيمي:

بصفة عامة الحاجة للتغيير في المنظمات خاصة العمومية منها، تظهر على الأقل لمواكبة الحركة الدائبة للتغييرات الاقتصادية وقوى المنافسة، فمن الضروري أن يتوافر لدى المنظمات الدافع الذاتي لإحداث التغيير، فإذا لم يعتقد أعضاءها بحتمية التغيير فلن يتوافر لديهم الالتزام بنتائجه، وبالتالي لن ينجح برنامج التغيير في تحقيق أهدافه.

وتكمن أهمية التغيير في كونه بات من أهم متطلبات التقدم والتطور لمنظمات اليوم، ولم يعد ينظر إليه كوسيلة تستخدمها بعض المؤسسات تبعا لظروف معينة، التي ما إن تمر حتى تعود كل الجهود المبذولة إلى حالة الركود والاستقرار، فما يمكن ملاحظته في الوقت الراهن من تنافس كبير بين المنظمات لتحقيق الاستقرار والنجاح، وهو ما أدى بها إلى حركة دائبة لا تهدأ مع التغيير والتطوير، لأن الصفة والسمة المشتركة بين المنظمات المعاصرة، هي ضرورة التغيير والتطوير لمواكبة التغييرات المختلفة في محيطها الخارجي.

ثانيا- أهداف التغيير التنظيمي:

لابد وأن يكون للتغيير المخطط والمدروس أهداف محددة يسعى إلى تحقيقها، وبصفة عامة فإن أهداف التغيير تتلخص في الآتي:

- الارتفاع بمستوى الأداء وتحقيق مستوى عالي من الدافعية ودرجة عالية من التعاون، وأساليب أوضح للاتصال وخفض معدلات الغياب ودوران العمل والحد من الصراع وتحقيق التكاليف المنخفضة .

- إحياء الركود التنظيمي وتجنب التدهور في الأداء، وتحسين الفعالية من خلال تعديل التركيبة التنظيمية.

- التخلص من البيروقراطية والفساد الإداري.

- خلق اتجاهات إيجابية نحو الوظيفة خاصة العمومية منها وتنمية الولاء لدى العاملين.

- تخفيض التكاليف من خلال الكفاءة وفعالية الأداء وحسن استخدام الموارد البشرية للآلات المتاحة، والموارد، والطاقة، ورأس المال.

- زيادة قدرة المنظمة على الإبداع والتعلم.

- بناء محيط محابي للتغيير والتطوير والإبداع.

- تطوير قيادات قادرة على الإبداع وراغبة فيه.

- خلق اتجاهات إيجابية نحو الوظيفة العامة وتنمية الولاء لدى العاملين.

- تحسين الانطباع الذهني لدى الرأي العام عن المنظمة .

- يجب أن يستند البرنامج على الافتراض بأن مستوى الفعالية التنظيمية والأداء الفردي يرتقيان بالقدر الذي يتيح تحقيق التكامل الأمثل بين الأهداف الفردية والأهداف التنظيمية .

- زيادة مقدرة المنظمة على التعامل والتكيف مع البيئة المحيطة بها وتحسين قدراتها على البقاء والنمو.

ومنه يمكن القول أنه من المهم أن تطور كل منظمة قدرتها على التكيف مع البيئة بدافع التعامل معها، وهذا ما يجعل من التغيير يتطلب إدارة خاصة في المنظمة لتطوير وتنمية حوافز عمالها، وبالتالي تطوير وتنمية كفاءتها الكلية، وهذا ما يسمى"بالمنظمة المتفاعلة" .

3- مصادر وقوى التغيير التنظيمي:

تظهر الحاجة للتغيير نتاج عوامل داخلية أو خارجية بالنسبة للمنظمة، فالعوامل الداخلية هي تلك تنطلق من احتمالات حدوث اضطرابات تنظيمية، وتشمل تلك المعطيات المتمثلة في محاولات التغيير، مثل تغيير الأهداف التنظيمية، وانخفاض الإنتاجية وارتفاع التكاليف، والمناخ التنظيمي غير المواتي، أما العوامل الخارجية فتشير إلى تلك القوى الموجودة في البيئة الخارجية للمنظمة والتي من شأنها أن تفاقم من عدم اليقين الذي ينبغي أن تواكبه المنظمة، وتشمل التغيير في المعرفة أو التقنية أو الفرص الاقتصادية والإطار الهيكلي للقوى السياسية، والاعتبارات البيئية، والعوامل الاديولوجية الثقافية .

ويمكن تقسيم القوى المرتبطة بالتغيير إلى قوى داخلية وأخرى خارجية.

أولا- القوى الخارجية للتغيير:

تعد القوى الخارجية أكثر تأثيرا في المنظمة من القوى الداخلية لاتساع مجالها وصعوبة التنبؤ بأبعادها، وذلك أمر طبيعي نظرا للمتغيرات المتسارعة في البيئة التي تعمل فيها المنظمات، لذلك وجه الكتاب والباحثين اهتماما كبيرا لهذه القوى التي يصعب التحكم أو السيطرة عليها أو التنبؤ بها .

1- البيئة الاقتصادية: زيادة حدة المنافسة الخارجية خاصة في ظل ما يطلق عليه بالعولمة وانفتاح الأسواق، وانضمام الكثير من الدول إلي المنظمة العالمية للتجارة (OMC)، كما أن هناك تغييرات في أسعار الفائدة الدولية وفي أسعار العملات التي يتم الاستيراد والتصدير من خلالها، تغير قواعد المنافسة، فالانفتاح على الأسواق المتميزة بالحماية يفرض تغيرا إستراتيجيا وهيكليا وثقافيا كبيرا، بالإضافة إلى سياسة خوصصة القطاعات وسياسة إدارة المشروعات على أسس تجارية.

هذه بعض التغييرات الاقتصادية العالمية التي أثرت بشكل أو بآخر في أساليب وأنماط الإدارة في المنظمات، وبالتالي دفعتها من الانتقال من المركزية والنظم البيروقراطية الساكنة التي تعمل بِرَدَةِ الفعل وطرق العمل النمطية إلى نظام أكثر مرونة يتناسب مع طبيعة التحولات الاقتصادية العالمية، وبرزت الحاجة إلى ضرورة تنبي التغيير كخيار إستراتيجي.

2- البيئة السياسية والقانونية: 

وهي القوى التي تتميز بزيادة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي فالبيئة القانونية تكمن في تغير القوانين أو تعديلها إذْ أن هذه التشريعات تفرض قيودا أو تهيئ فرصا، مثل التغييرات في السياسة الحكومية المالية والنقدية، أو وجود تغييرات داخلية أو عالمية تؤثر علي الاتفاقيات الاقتصادية خاصة إذا كانت مع الدول التي تمثل أسواقا مستهدفة أو المصدرة لسلع منافسة للمنتجات المحلية. بالإضافة إلى ما تفعله بعض الحكومات من الانسحاب من بعض الأنشطة وتنظيم البعض الآخر ونتيجة لذلك تظهر فرص وتهديدات جديدة أمام المنظمات المتأثرة بهذا التحول، مثل إصدار قوانين وتشريعات حكومية جديدة (قانون العمل، قانون الضمان الاجتماعي، الضرائب، إلغاء بعض الأنشطة ...).

3- البيئة التكنولوجية:

وتمثل أهم مصدر لإحداث التغيير وخاصة في القرن الحالي، حيث يبدو واضحا التطور العلمي المتسارع في جميع نواحي الحياة، كما أحدث التطور التقني في الدول الصناعية تغييرا موازيا في هياكل قوى العامل بها حيث انتقلت من شكلها الهرمي التقليدي إلى منظمات العقول والمعرفة وليس منظمات الأعمال الروتينية، وترتب على ذلك تغير في مناهج التدريب وتغير في معايير الأداء والوصول إلى الجودة الشاملة. ومن أهم التغييرات التكنولوجية التي تدفع لإحداث التغيير التقدم في وسائل المواصلات والاتصالات الأمر الذي قضى على الحدود التي كانت تفصل بين الدول، وتتجلى مظاهر التطور التكنولوجي المتسارع في رقمية التجهيزات والآلات، وثورة المعلومات التي تظهر من خلال تكنولوجيا الإعلام والاتصال، حتى وصف عصرنا هذا بعصر بحضارة المعلومات، وهذا ما نتج عنه تطور في أنظمة المعلومات (الأنظمة المساعدة في اتخاذ القرار، والأنظمة الخبيرة) وتغيير في نمط التبادل (التجارة الإلكترونية). ونتيجة لذلك تشتد الحاجة للتغيير من أجل توافق أنشطة المنظمات المختلفة وأساليب وطرق عملها مع متطلبات التغييرات التكنولوجية والتكيف معها في مجالاتها كافة.

4- البيئة الاجتماعية: 

تتمثل هذه القوى بالعادات والتقاليد والمبادئ والقيم وكذلك في الاتجاهات، وأنماط الطلب علي منتجات المنظمة نتيجة التغير في رغبات وأذواق المستهلكين، وزيادة القوة التي يتمتع بها العملاء والمستهلكين، وسيادة عصر التوجه للعميل واحترام المستهلك والعمل علي إرضائه.

5- البيئة الثقافية: 

حيث تؤثر علي قيم واتجاهات وسلوكيات الأفراد كمرؤوسين ورؤساء وعملاء وموردين، فثقافة المحيط لا تؤثر فقط علي سلوك العاملين وأسلوبهم في التعامل، بل تنعكس هذه الثقافة في الهيكل القائم ونمط الإدارة السائد ونظم الاتصالات والمعلومات، وطرق الأفراد في حل المشكلات واتخاذ القرارات، كما تؤثر في اتجاهات العملاء وبالخصوص في حجم الطلب وتصميم المنتج والمزيج التسويقي وأساليب التعامل مع العملاء.

ثانيا- القوى الداخلية للتغيير:

قد ينشأ التغيير من مصدر آخر وهو المصدر الداخلي والذي ينتج من القوى الداخلية في المنظمة فالإنتاجية المنخفضة، الصراع، الإضراب، التخريب، معدل الغياب المرتفع، ومعدل الدوران العالي، ما هي إلا بعض العوامل التي تعطي إشارة للإدارة بضرورة التغيير.

تظهر الحاجة للتغيير التنظيمي عند حدوث مستجدات جديدة في بيئة العمل الداخلية، وإمكانيات وقدرات المنظمة وأهدافها، أو عندما تواجه مشكلات ذاتية، مما ينتج عنه عدم ملائمة التنظيم الحالي للتعامل مع التغييرات الحادثة في الـبيئة، أو عـدم التوافق بين عناصر التنظيم، مما يتطلب ضرورة إحداث تغيير تنظيمي في المنظمة. ومن القوى الداخلية التي تفرض التغيير ما يلي:

1- وجود أهـداف جديـدة: إذا ما قامت المنظمة بإضافة أهداف جديدة إلى الأهداف الحالية أو بتغيير أهدافها بأهداف أخرى جديدة (التخلي عن منتج أو إضافة منتج جديد)، فستقوم حتما بالتغييرات المناسبة لتوفير جو وظروف ملائمة بما في ذلك الموارد، الإمكانيات والوسائل، لتحقيق هذه الأهداف الجديدة.

2- انضمام أفراد جـدد: إن انضمام أفراد جدد ذوي أفكار وخبرات ومهارات مختلفة خاصة إذا عينوا قادة في الإدارة سوف ينتج عنه حدوث تغييرات وظهور أوضاع جديدة.

3- عدم رضا العاملين: إن عدم رضا العاملين ينتج عنه آثار سلبية على أداء المنظمة، ولهذا على المسيرين تشخيص أسباب عدم الرضا ومحاولة إيجاد الحلول بإجراء التعديلات والتحسينات اللازمة التي يطلبها العاملين.

4- تدني مستوى الأداء: إذا تم اكتشاف تدني مستوى أداء المنظمة، عليها البحث في الأسباب والقيام بالتعديلات أو التغييرات التي من شأنها تحسين مستوى الأداء.

5- إدراك الحاجة إلى تغيير الهيكل التنظيمي واللوائح والأنظمة المتبعة في المنظمة: وذلك لتصبح أكثر مرونة وقادرة على الاستجابة الشاملة لضروريات التغيير والتحسين المستمر في الأداء.

4- مداخل التغيير التنظيمي:

إن مجالات التغيير حظيت بكثير من الدراسات والأبحاث من قبل المهتمين بمجال التغيير التنظيمي وذلك لأهميتها، ويتطرق التغيير لعدة محالات مختلفة في المنظمة، كما أنه قد يشمل أكثر من مجال واحد في الوقت نفسه، وسوف نستعرض مجالات التغيير في المداخل التالية:

أولا- المدخل الوظيفي:

ويهتم بفلسفة ورسالة وأهداف وإستراتيجية المنظمة، ويقصد بالفلسفة ما تتمتع به المنظمة من قيم عامة لها خصوصيتها وتميزها عن غيرها من المنشآت الأخرى، وتمثل ثوابتها وحركة العاملين فيها.

ثانيا- المدخل الإنساني:

ركز الكثير من الكتاب والباحثين عند إحداث التغيير من خلال الأفراد القائمين بالعمل على ناحيتين أساسيتين هما:

1- التغيير المادي للأفراد: من خلال الاستغناء عن بعض العاملين أو إحلال غيرهم محلهم.

2- التغيير النوعي للأفراد: وذلك بالتركيز على رفع المهارات وتنمية القدرات أو تعديل أنماط السلوك من خلال نظم التدريب أو تطبيق قواعد المكافآت والجزاءات التنظيمية.

ثالثا- المدخل الهيكلي:

وهو ذلك المدخل الذي يعمل على إحداث التغيير من خلال إجراء تعديل وتغيير في الهيكل التنظيمي للمنظمة، ويُعَرَف الهيكل التنظيمي بأنه "الإطار المؤسس الواضح لمكونات المنظمة، وما تضمه من الأقسام والفروع التي تتبعها، والمحدد للمستويات التي تتدرج عليها، وللاتصالات التي ينبغي أن تتفاعل عن طريقها، وللأنشطة التي تنهض بها، وللمستويات والصلاحيات التي تعطى لها" .

رابعا- المدخل التكنولوجي:

وهو المدخل الذي يتم التركيز فيه لإحداث التغيير على إعادة تركيب وتدفق العمل وعلى أنماط العمل وأساليبه وطرقه، أو على الوسائل المستخدمة في أداء العمل، أو إدخال معدات وأدوات وأساليب جديدة في العمل، كما أن العوامل التنافسية فرضت على وكلاء التغيير ابتداع معدات ووسائل وأساليب عمل جديدة تمكنهم من إحراز السبق على غيرهم من المنظمات المنافسة.

خامسا- مدخل عبر تغيير الترتيبات المادية:

ويشمل تغيير الترتيبات المادية، تغيير المسافات والترتيبات في موقع العمل، كما يجب أن يكون التركيب الداخلي لموقع العمل بعيدا عن العشوائية وأن تأخذ الإدارة بعين الاعتبار متطلبات العمل، ومتطلبات التفاعل الرسمي والحاجات الاجتماعية حينما يتخذ القرار حول ترتيب العمل والتصميم الداخلي، فعلى سبيل المثال يمكن التخلص من الجدران والتقسيمات الداخلية، وفتح المكاتب على بعضها فيصبح من السهل على العاملين الاتصال مع بعضهم،كما يمكن للإدارة أن تغير كمية وأسلوب الإضاءة ودرجات الحرارة ومستويات الضوضاء بالإضافة إلى تغيير الأثاث والديكور.

 

 

5- مراحل التغيير التنظيمي:

إن الدور الذي يساهم به التغيير التنظيمي في تحسين الأداء، شجع الباحثين والدارسين والمنظمات على دراسة هذه الظاهرة وبذل الجهود للاستفادة منه، وقد قدمت محاولات كثيرة لتوضيح الكيفية التي يتم بها التغيير، إضافة إلى تقديم نماذج وأفكار جديدة في هذا المجال تسهل الاستفادة من التغيير، ومن هذه المحاولات ما قدمه كيرت ليون (Kurt Lewin) سنة 1951 في محاولته لتحديد مراحل التغيير التنظيمي، والتي قام العديد من العلماء والممارسين باستخدامها أو تطويرها لكي تناسب ظروفهم، فقد ساعد نموذج "ليون" في إحداث التغيير بنجاح في الكثير من المنظمات.

يصف "ليفن" المنظمة من خلال هذا الشكل بأنها عبارة عن نظام في حالة ثبات من خلال قوى معادلة أو معارضة، فمن ناحية يوجد مدى من القوى الدافعة – الضغوط – من أجل التغيير، وهي تضم على سبيل المثال الضغوط التنافسية، انتشار تقنية جديدة، الابتكار والإبداع من داخل المنظمة، والتشريع الجديد، والاهتمامات البيئية وحقوق العمال. ويعادل هذه القوة الدافعة حسبما ذكر "ليفن" عدد من القوى المقاومة والتي تضم التقاليد وثقافة المنظمة والمناخ السائد؛ وحيث أن كل مجموعة من القوى يمكن أن تلغي كل منها الأخرى، فإن النظام يظل في حالة توازنوالنتيجة الطبيعية لهذا النموذج كما يؤكد ليفن أن أية عملية تغيير في المنظمة يمكن اعتبارها تحركا مؤثرا في الوضع التوازني اتجاه وضع مرغوب أو محدد حديثا، ويقترح "ليفن" عملية ذات ثلاث مراحل، لتنفيذ التغيير وتبدأ بإذابة الجليد (Dégel) للنظام القائم (الحالي) وذلك قبل المرور إلى مرحلة التغيير (Changement)، ثم إلى مرحلة التجميد (Regel) للنظام الجديد.

 

خاتمة:

نخلص من بحثنا هذا أن أي تغيير تنظيمي في المنظمة وراءه ظروف تقتضيه، سواء كانت داخلية أو نابعة عن تحولات في المحيط، وهذا التغيير لابد أن يتم وفق مراحل منهجية متسلسلة حتى يبلغ الهدف منه، كما إن هذا التغيير يمكن أن يحدث من مداخل شتى (وظيفي، هيكلي، بشري، تكنولوجي)، وكل مدخل له مقتضياته وشروط لنجاحه.

ومن خلال معالجتنا لمفاهيم التغيير التنظيمي ودواعيه وردود أفعال الموارد البشرية تجاهه، وكذا أهمية الموارد البشرية في تعزيزه وإنجاحه، نستخلص أن أهم مقومات نجاح التغيير التنظيمي هو إشراك العاملين في بحث ومناقشة الحاجة إليه والتفكير في وسائله وطرق تنفيذه، حيث يساعد ذلك كثيرا على إزالة مخاوفهم من ناحية، ويؤكد من ناحية أخرى على مكانتهم ودورهم في المشاركة في اتخاذ القرارات داخل المنظمة، وهو ما سيسمح بالتخفيف من الآثار السلبية الناتجة عن مقاومة التغيير أو التطوير.

وفي سبيل إنجاح عملية التغيير بالمنظمة نرى أن التوصيات التالية بالغة الأهمية:

1- الاهتمام بشكل جدي بالتغيير الثقافي داخل المنظمة كجانب أساسي في تحقيق أي تغيير أو تطوير بالمنظمة، سواء كان تنظيميا، هيكليا، أو تكنولوجيا. فالتغيير قبل أن يكون في الهياكل والأنظمة والجوانب المادية، على أهميتها، يجب أن يشمل أولا الفرد في حد ذاته، باعتباره هو من يقوم بتنفيذه ويتحمل نتائجه، وهو ما يجعل من عملية التغيير تبدأ من الفرد نفسه.

2- ينبغي على المنظمات أن تعتمد على هياكل تنظيمية أكثر مرونة، وأن تبتعد عن الهياكل التقليدية التي لا تجدي نفعا أمام تلك القفزات الهائلة في أنواع الهياكل التنظيمية، وكذلك الابتعاد عن الهياكل السلطوية التي تكرس مركزية السلطات، بدلا من اللامركزية والانفتاحية والمرونة التي تدعم عمليات التغيير التنظيمي.

3- إشراك كافة العاملين في عملية التغيير التنظيمي وتنفيذه وجعلهم جزءا لا يتجزأ منه، لأن مشاركة العاملين في هذا التغيير ستجعلهم أكثر إدراكا لأهدافه ونتائجه وكيفية تنفيذه والمشكلات التي يمكن أن تحد من فعاليته.

4- على القيادة العليا في المنظمة دعم ومساندة عملية التطوير التنظيمي وبشكل مستمر، وتذليل العقبات التي تعترضه وشرح أبعاده للعاملين باستخدام المهارة والمرونة بدلا من أسلوب التهديد والوعيد.

5- زيادة اهتمام المسئولين في المنظمة بتطوير العلاقات التنظيمية وذلك عن طريق عقد نشاطات ثقافية وترفيهية للعاملين خارج أوقات الدوام الرسمي، وكذلك إفساح المجال للعامل لكي يبدى رأيه في العمل دون قيود، ومنحة الفرصة كي يبدع في العمل، ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال عقد اجتماعات دورية بين المديرين والمرؤوسين لتبادل وجهات النظر.

هل اعجبك الموضوع :
التنقل السريع